محمد بن جعفر الكتاني

79

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

ومنها : حمايتها في القديم من كثير من البدع والمنكرات التي ظهرت في غيرها من البلدان . ثم إنه لا تكاد تظهر فيها بدعة من البدع إلا ويقيض اللّه لها وليا من أوليائه ؛ فيكشف للناس عن عوارها ، ويبين لهم فساد ما انتحلوه من خوارها ، فيرجع عنها من أراد اللّه به خيرا ، ويظهر لغيره فساد فعله ؛ فترجى له التوبة والإقلاع سرا وجهرا . ومنها : تطهيرها من الفرق المبتدعة التي توجد بالمشرق ، فلا تكاد تجد فيها مبتدعا أصلا ، وإذا رأيته رأيته خاملا منهزما منكسر الرأس ، والسهام كلها متوجهة إليه بالشدة والبأس ، إلى أن يأخذه الحق تعالى أخذا وبيلا ، ولا يجد للانتصار وليا ولا كفيلا . ومنها : أن أهلها في العقيدة على مذهب إمام أهل السنة والجماعة الشيخ أبي الحسن الأشعري رضي اللّه عنه . فكانت عقيدتهم مطابقة لعقيدته التي هي عقيدة الصحابة فمن بعدهم من أكابر العلماء والفقهاء ، والصوفية والأولياء . ومنها : أنهم متمذهبون بمذهب إمام دار الهجرة : مالك بن أنس رضي اللّه عنه . ويقرءون بقراءة نافع المدني ؛ فكانوا بذلك حائزين لسر المدينة المنورة - على ساكنها أفضل الصلاة والسلام . ومنها : أن أكثر عوائد أهلها التي جرى بها عرفهم من قديم الزمان لا تكاد تخلو من مستند وأصل صحيح عليه يعول وإليه يستند . وقد سمعت من سيدنا الوالد - رزقني اللّه رضاه - أن بعضهم « 1 » ألف تأليفا في عوائدها القديمة ، واستنبط لها كلها أصلا من السنة ، سماه : " العرف الآسي في العرف الفاسي " ، لكنه قد حدثت بها في هذه الأزمان أعراف ردية خارجة عن مناهج الشريعة الأحمدية ، ونسأل اللّه سبحانه وتعالى ببركة بانيها ، ومن هو حال من الأخيار بناديها ، أن يطهرها من الأرجاس ، ويذهب عنها كيد الوسواس الخناس ، بمنه وكرمه . . . آمين . ومنها : ما علم من قديم الزمان ، وشوهد بالعيان ، من أنه : لا يدخل أحد بعلم أو صلاح أو غيرهما وله قوة في نفسه وإعجاب بأمره إلا ويجد بها من أهل [ 77 ] جنسه من يكسر صولته ، ويزيد قوته لقوتهم في كل شيء ، القوة التي لا يقاومهم فيها أحد ببركة مولانا إدريس الذين هم في جواره . وقد رأيت أعجوبة : وهي أن شخصا قدم إليها من درعة بعلم غزير ، وادعى المكانة العظيمة في الصلاح ، وظهرت عليه مخايله ، فإذا به صار يطاول العلماء ونحوهم من أهل نسبة اللّه تعالى بها ، فبينما أنا جالس معه ذات يوم في بيت فندق كان يأوي إليه ، ليس معنا ثالث ، وإذا برجل عامي ممن يبيع ويشتري بسوق " المركطان " ، دخل علينا وهو منقبض الوجه لا يتبسم ولا يضحك ، ثم إنه خاطب

--> ( 1 ) وهو العلامة المهدي بن أحمد بن علي الفاسي الفهري .